صديق الحسيني القنوجي البخاري

379

فتح البيان في مقاصد القرآن

فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ البقرة : 213 ] ولهذا قال تعالى فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [ النساء : 59 ] انتهى المقصود بتصرف في العبارة . وحاصل الآية أن اللّه خلق أهل الباطل وجعلهم مختلفين ، وخلق أهل الحق وجعلهم متفقين وحكم على بعضهم بالاختلاف ومصيرهم إلى النار وحكم على بعضهم بالرحمة ومصيرهم إلى الجنة وهم أهل الاتفاق . ويدل لصحة هذا قوله وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أي ثبتت كما قدره في أزله وإذا تمت وحقت ووجبت وامتنعت من التغيير والتبديل وقيل الكلمة هي قوله للملائكة لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ أي الجن والتاء للمبالغة وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ أي ممن يستحقها من الطائفتين . [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 120 إلى 123 ] وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ( 120 ) وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ ( 121 ) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ( 122 ) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 123 ) وَكُلًّا أي وكل نبأ فالتنوين عوض عن المضاف إليه نَقُصُّ عَلَيْكَ أي نخبرك به مما يحتاج إليه وقوله مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ بيان لكلّا ، وقوله ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ بدل منه والأظهر أن يكون المضاف إليه المحذوف في كُلًّا المفعول المطلق لنقص أي كل اقتصاص أي كل أسلوب من أساليبه نقص عليك من أنباء الرسل ، وقوله ما نُثَبِّتُ مفعول نقص وفائدته التنبيه على أن المقصود بالاقتصاص زيادة يقينه عليه السلام وطمأنينة قلبه وثبات نفسه على أداء الرسالة واحتمال أذية الكفار بالوقوف على تفاصيل أحوال الأمم السالفة في تماديهم في الضلال وما لقي الرسل من جهتهم من مكابدة المشاق لأن تكاثر الأدلة أثبت للقلب وأرسخ في النفس وأقوى للعلم . وَجاءَكَ فِي هذِهِ أي السورة قاله ابن عباس وأبو موسى الأشعري وسعيد بن جبير والحسن وعليه الأكثر : أو في هذه الدنيا قاله قتادة وفيه بعد لأنه لم يجر للدنيا ذكر ، وقيل في هذه الآية أو في هذه الأنباء الْحَقُّ أي البراهين القاطعة الدالة على صحة المبدأ والمعاد . وقيل النبوة وعلى الأول يكون تخصيص هذه السورة بمجيء الحق فيها مع